أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )

29

أنساب الأشراف

فبكى الناس ثم بايعوه ، وكانت بيعته التي أخذ على الناس أن يحاربوا من حارب ، ويسالموا من سالم . فقال بعض من حضر : والله ما ذكر السلم إلا ومن رأيه أن يصالح معاوية أو كما قال ! ! ! ثم مكث أياما ذات عدد - يقال : خمسين ليلة ويقال : أكثر منها - وهو لا يذكر حربا ولا مسيرا إلى الشام . وكتب إليه عبد الله بن عباس كتابا يعلمه فيه ان عليا لم يجب إلى الحكومة إلا وهو ير ( ى ) في أنه إذا حكم بالكتاب تردّ الأمر إليه ، فلما مال القوم إلى الهوى فحكموا به ونبذوا حكم الكتاب ، رجع إلى أمره الأول فشمّر للحرب ودعا إليها أهل طاعته فكان رأيه الذي فارق الدنيا عليه جهاد هؤلاء القوم . ويشير عليه أن ينهد إليهم وينصب لهم ولا يعجز ولا يهن [ 1 ] .

--> [ 1 ] ليت البلاذري ذكر الكتاب حرفيا مع سنده إليه ولم يضن بذكره هنا مع أنه محله ، نعم ذكره في ترجمة عبد الله بن العباس من أنساب الأشراف : ج 1 ، الورق 274 / أ / أو ص 550 ، وإليك نص الكتاب بخصوصياته : ( قال البلاذري : ) حدثني عباس بن هشام ، عن أبيه عن عوانة ، قال : كتب ابن عباس إلى الحسن بن علي : إن المسلمين قد ولوك أمورهم بعد علي فشمر لحربك ( كذا ) وجاهد عدوك ، ودار أصحابك واشتر من الظنين دينه ولا تسلم دينك ( ظ ) ووال أهل البيوتات والشرف تستصلح عشائرهم . واعلم أنك تحارب من حاد الله ورسوله فلا تخرجن من حق أنت أولى به ، وإن حال الموت دون ما تحب . وقال ابن أعثم في كتاب الفتوح : ج 4 ص 148 : أقام الحسن بالكوفة بعد وفاة أبيه شهرين كاملين لا ينفذ إلى معاوية أحدا ولا ذكر المسير إلى الشام ، وإذا بكتاب عبد الله بن عباس قد ورد عليه من البصرة وإذا فيه : لعبد الله الحسن أمير المؤمنين من عبد الله بن عباس ، أما بعد يا ابن رسول الله فإن المسلمين ولوك أمرهم بعد أبيك رضي الله عنه ، وقد أنكروا أمر قعودك عن معاوية وطلبك لحقك ، فشمر للحرب وجاهد عدوك ودار أصحابك ، ووال أهل البيوتات والشرف ما تريد من الأعمال فإنك تشتري بذلك قلوبهم ، واقتد بما جاء عن أئمة العدل من تأليف القلوب ، والإصلاح بين الناس واعلم بأن الحرب خدعة ، ولك في ذلك سعة ما كنت محاربا ، ما لم ينتقص مسلما حقا هو له ، وقد علمت أن أباك عليا إنما رغب الناس ( عنه ) وصاروا إلى معاوية لأنه واسى بينهم في الفيء ، وسوى بينهم في العطاء ، فثقل ذلك عليهم . واعلم بأنك إنما تحارب من قد حارب الله ورسوله حتى أظهره الله ( على ) أمره ، فلما أسلموا ووحد الرب ومحق الله الشرك وأعز الدين ، أظهروا الإيمان وقرؤا القرآن وهم بآياته مستهزؤن وقاموا إلى الصلاة وهم كسالى وأدوا الفرائض وهم لها كارهون فلما رأوا أنه لا يعز في هذا الدين إلا الأبرار والعلماء الأخيار ، وسموا أنفسهم بسيما الصالحين ليظن بهم المسلمون خيرا ، وهم عن آيات الله معرضون ، وقد منيت أبا محمد بأولئك القوم وأبنائهم وأشباههم والله ما زادهم طول العمر إلا غيا ، ولا زادهم في ذلك لأهل الدين إلا غشا ، فجاهدهم رحمك الله ولا ترض منهم بالدنية ، فإن أباك عليا رضي الله عنه لم يجب إلى الحكومة في حقه حتى غلب على أمره فأجاب وهو يعلم أنه أولى بالأمر ان حكم القوم بالعدل ، فلما حكم بالهوى رجع إلى ما كان عليه ، وعزم على حرب القوم حتى وافاه أجله فمضى إلى ربه رحمه الله ، فانظر رحمك الله أبا محمد ، لا تخرجن من حق أنت أولى به من غيرك ، وإن أتاك ( الموت ) دون ذلك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . ورواه أيضا أبو الحسن المدائني عن أبي بكر بن الأسود كما في شرح المختار : ( 31 ) من الباب الثاني من نهج البلاغة : ج 4 ص 12 ، ط بيروت ، وفي ط مصر : ج 16 ، ص 23 . وقطعة منه ذكرها في فصل صلحه عليه السلام من مناقب آل أبي طالب : ج 4 ص 31 .